Ads 468x60px

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

"ولكم في القصاص حياة"

المتابع للأخبار هذه الأيام، يلحظ نشاطا غيرَ عادي في أوساط بعض المتحمّسين من رجال القانون، ويسمع أصواتًا مرتفعة بوتيرة غير معهودة، تنادي بإلغاء حكم الإعدام، بعد مضيّ سنوات على تجميده، تزامنت مع انعقاد "النّدوة الدولية للخبراء حول التخلي عن عقوبة الإعدام في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا"، الثلاثاء الماضي، في فندق الأوراسي بالجزائر العاصمة، وكأنّ بعض القانونيين في هذا البلد، وجدوا أنفسهم في سباق مع الزّمن ليثبتوا لنظرائهم في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنّهم جديرون بتصدّر هذه الحملة المركّزة لإعدام عقوبة الإعدام!


المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام مع تصاعد وتيرة الإجرام!
إنه لأمر مؤسف حقا أن تتعالى الأصوات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، بالتزامن مع النّداءات المتوالية لوضع حدّ لارتفاع منحى الجرائم بصورة تنذر بتحوّل البلد إلى غابة تعبث فيها الوحوش البشرية، بالدّماء والأعراض والأموال، من دون وازع ولا رادع؛ فماذا بعدما أصبح دم الإنسان أهون من دم البعوض، وأصبحت الأرواح تزهق لأتفه الأسباب؟، وماذا بعدما تمادى الأمر بعصابات السّطو والإجرام إلى حدّ تخيير النّاس بين أرواحهم وممتلكاتهم؟ ماذا بعدما انتهكت أعراض الأطفال، وذبّحوا، وقطّعت أوصالهم، ورميت أشلاؤهم في المزابل؟ وماذا بعدما بلغ الأمر ببعض شباب المخدّرات إلى حدّ قتل والدِيهم والاعتداء على أمّهاتهم؟ ماذا بعدما انتشرت الخيانة الزّوجية وشرّدت أسر بسببها؟ وماذا بعدما انتشر الشّذوذ وصار للشّواذّ مواقع ومنتديات ومجلات، وبدؤوا يحضّرون للمطالبة باعتراف الدّولة والمجتمع؟ ماذا بعدما تمادى تجار السّموم والمخدّرات في غيّهم، وأصبحت لهم دولة داخل الدّولة؟ ماذا بعدما تكاثرت أوكار السّحر، وتمادى السّحرة والمشعوذون في غيّهم، ودنّسوا المصاحف، ونبشوا القبور، وقطعوا أعضاء الموتى؟...
تناقضات المنادين بإلغاء عقوبة الإعدام 
لسنا ندري كيف يستقيم أن تأخذ هؤلاء الحقوقيين الرّأفةُ بالمجرم، ويتحدّثوا عن حقّه في الحياة، وهو الذي تعدّى على هذا الحقّ، ولم يعرفه للضحية؟ وكيف ينظرون إلى حقّ المجرم ولا ينظرون إلى حقّ أولياء الضحيّة الذين فجعوا وروّعوا، وحقّ المجتمع في ردع المجرمين عن ارتكاب مزيد من الجرائم؟ ما الذي يريده هؤلاء الحقوقيون من دعوتهم إلى إلغاء حدّ القصاص في حقّ المجرمين المستهترين بأرواح النّاس؟ هل يريدون أن يلجأ أهالي الضّحايا إلى الانتقام، وينفرط العقد ويتحوّل الأمر إلى فوضًى لا زمام لها ولا خطام؟ إنّ الله ما شرع الحدود والقصاص إلا لمصلحة المجتمع المسلم، حيث قال جلّ شأنه: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) (البقرة: 179)، وكان العرب قديما يقولون "القتل أنفى للقتل"، بمعنى أنّ قتل القاتل يحول بين أهل القتيل وبين المطالبة بالثّأر، ويردع أفراد المجتمع عن التّساهل في الدّماء والأرواح.
ألا يعلم من خلق وهو اللّطيف الخبير!!؟
الإعدام ليس حكما وضعيا يمكن إعادة النّظر فيه حسب مقتضيات الزّمان والمكان، ولكنّه تشريع ربّاني من لدن عليم خبير؛ فإذا كان العقلاء متّفقين على أنّ كلّ صانع أدرى بمصنوعه من غيره، فكيف يُقبل أن يَعترض مخلوق على خالق البشر في أحكامه التي شرعها لإصلاح دينهم ودنياهم، ((أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير))؟ وكيف يمكن لمخلوق أن يرى من نفسه أنّه أرحم بالعباد من خالقهم، الذي ما حدّ الحدود إلا لحفظ الدّين وحفظ الأنفس والدّماء والأعراض والأموال؟. 
إنّنا نتفهّم أن تُدرأ الحدود بالشّبهات، ولا يطبّق الإعدام إلا مع ثبوت الجرم بالأدلّة القاطعة، أمّا أن يُلغى الإعدام تماما بعد سنوات من تجميده، فهذا ما لا يقبله عاقل ينشد حقا الخير لمجتمعه وأمّته.
من له الحقّ في الحديث باسم الأمّهات المفجوعات؟!
دول نصرانية وعلمانية كثيرة رفضت إلغاء حكم الإعدام مراعاة لواقع المجتمع، ونحن في دولة ينصّ دستورها على أنّ الإسلام دين الدّولة، ترتفع أصوات المترفين لتتنكّر لهذا الأصل، وتغرّد بعيدا عن واقع المجتمع، لإرضاء نزوات جهات هنا وهناك، لم تكتوِ بما اكتوى به كثير من الجزائريين الذين يردّدون المثل القائل: "لا يحسّ بالجمر إلا من اكتوى به"، فهؤلاء المنادون بإلغاء عقوبة الإعدام، أموالهم مكدّسة في البنوك الأجنبيّة، وأبناؤهم يدرسون في مدارس أجنبية أو خاصّة، ولم يذوقوا لوعات الحسرة والأسى التي ذاقتها أمّهات ياسر وعامر وريان وصهيب وإبراهيم وهارون وشيماء وسندس ومهدي وبهاء الدّين  ...   وغيرهم من الأطفال الذين سيسأل المجتمع، بأيّ ذنب قتلوا؟. 
--------
نقلا عن يومية "الشروق اليومي"

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق